محمد أبو زهرة
1845
زهرة التفاسير
أخوف من يخافه على أمته « 1 » ، فعناية المنافق بالقول الذي يستر به عمله هي الجزء الأكبر من تدبيره ، وإن عمل الليل سهل ، ولكن إخفاءه بزخرف القول صعب عند ظهور آثاره . وفوق ذلك فإن القول إذا كان لا رضى ، فالعمل أبعد عن الرضا . وقد عبر سبحانه عن فعلهم وقولهم بأنه لا يرضاه ، للإشارة إلى مقته لهم ، وحسابهم عليه . وإذا كان الله تعالى عليما بما لا يرضى من القول علم من يصاحبهم عند التدبير والتبييت ، فهو بعملهم عليم أيضا ، وهو أيضا لا يرضى عنه ، ولذا قال سبحانه : وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً فإذا كان الله تعالى مصاحبهم في قولهم الذي لا يرضيه ، فهو محيط دائم بكل عملهم إحاطة الدائرة بقطرها ، لا يغيب عنه شئ ، ولا يعزب عنه مثقال ذرة منه . والتعبير عن علم الله تعالى لأعمالهم بالإحاطة ، فيه إشارة إلى أمور ثلاثة : أولها - أن علمه كامل لا ينقصه شئ ، فهو علم إحاطة واستغراق . وثانيها - أن الله معاقب بقدر ما ارتكبوا . وثالثها - أن الله واضع أعمالهم في دائرة ، فلا يمكن أن يصل إلى أهل الحق أذاهم ؛ لأن الله محيط بهم وبما يعملون : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يستطيع أهل النفاق بحلو قولهم ، وقدرتهم على تزوير الكلام وتحسينه ، أن يجدوا لهم أنصارا من أهل الحق ، يخدعون بمظهرهم ، ولطف مداخلهم ، فيظنون بهم الخير ، ويندفعون للدفاع عنهم ، والله سبحانه وتعالى يبين أن هذا الدفاع إن أجدى في الدنيا لهم ، فهو جداء يؤدى إلى إيغالهم في الشر والفجور ، وإذا كان ينجيهم من عذاب الدنيا ، فلن ينجيهم من عذاب الآخرة ، إذ لا يكون العقاب إلا من علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، والجدال عنهم في الدنيا أمام البشر ، أما الجدال عنهم في الآخرة ، فهو أمام الله تعالى العليم
--> ( 1 ) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان » . رواه أحمد : مسند العشرة - أول مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( 144 ، 213 ) .